Get Adobe Flash player

Editorial

Une communication

au Bundestag 

 Par: Pr Abdallah SAAF 
 Berlin le 20-04-15

Invité à parler au Bundestag le 20 avril 2015 de l’expérience politique marocaine, j’ai tenu les propos suivants :

« Dans le tableau global de la région, on enregistre en cette période six pays en situation de guerre interne, (on ne sait si l’on doit parler de guerre civile  ou de conflits intérieurs en raison des acteurs transversaux impliqués), sept en situation de transition avec d’importantes difficultés, une situation d’occupation (la Palestine), deux situations de vulnérabilité, cinq pays seulement semblent stables, mais le sens, la portée de la stabilité diffère d’un pays à l’autre.... Lire la suite

Notre page sur facebook

Université du Développement Social

Université du Développement Social

Session d’été-Automne

« La société civile et ses nouveaux défis »

ارضية 

البرنامج

المتدخلون

المقررون

 L'argumentaire 

Le programme 

les intervenants

Les rapporteurs

Concept note

Formulaire d'inscription

Spécial membres

  

محمد العربي المساري

أريد أن أوجه الأذهان في خضم هذا الربيع العربي الذي طال أمره، إلى مسألة أتصور أنها قضية القضايا في البلاد العربية، وهي وضع الإعلام العمومي السمعي البصري، ووظيفته في هذه المرحلة من التاريخ الحافلة بتحولات كبرى. أنا انتمي إلى جيل اعتاد على أن يتصور أن الإعلام المكتوب هو الإعلام الأب. لكن يجب الاعتراف بان الصحافة الورقية لم تعد هي المتصدرة في المشهد. فهناك فاعلون جدد أوسعهم انتشارا هو الإعلام السمعي البصري، لأن تلقيه لا يتطلب ملكات أخرى غير السمع والبصر.

   

 

 

وأريد أن أركز على الإعلام العمومي، لأنه مرفق موجه لخدمة المجموعة المتساكنة في داخل حيز جغرافي معين. و أقصد بالإعلام العمومي هنا تلك الإذاعات و التلفزيونات التي ينفق عليها بأموال عمومية، وتعمل داخل حدود كل قطر من الأقطار العربية وهي موجهة لشعوب تلك الأقطار. وأعتبرها قضية القضايا لأنها تمثل إشكالية تكتنفها التباسات شتى، لم يتم الحسم فيها. ولكي أحدد الإطار الذي أنا بصدده، أقول إن الأمر يتعلق بإذاعات وتلفزيونات هي غير تجارية، وفي آن واحد هي غير رسمية. أي إنها غير تجارية لأنها لا تستهدف الربح،  وبالأحرى استرجاع الاعتمادات التي أنفقت عليها. ثم إنها رغم أنه ينفق عليها بالأموال العمومية، يجب أن لا يعتبر أنها بسبب ذلك يجب أن تكون في خدمة الحكومة.

  

ولعل الشق الثاني من هذا التوصيف هو الذي يتطلب الإيضاح. ذلك أن  تمويل تلك الأجهزة يتم عبر جباية قسرية للأموال من الجمهور، إما باعتمادات تقتطع مباشرة من الميزانية العامة للدولة، أو بواسطة أتاوات أو رسوم أوصناديق، توجه حصيلتها إلى إذاعات وتلفزيونات تشرف عليها هيئات عمومية مفوضة  بتسيير تلك المرافق وفق ضوابط مضمنة في نصوص تنظيمية. وتتضمن هذه النصوص قواعد تهتدي بها تلك المرافق، وتبين آليات عملها بما في ذلك كيفية اختيار المسيرين، والقيود التي تفرضها النصوص المؤطرة والتي تختلف في مقتضياتها عن تلك تطبق على الإذاعات والتلفزيونات التي يملكها الخواص.

  

ومصدر الالتباسات التي تحيط بعمل الإعلام العمومي السمعي البصري، في الأقطار العربية هو أن الإذاعة نشأت عندنا، كما كان الشأن مع التلفزيون فيما بعد، كمرفق ولد في أحضان الحكومات. فكما هو الأمر في بلداننا جميعها، يبدأ الإرسال في التلفزيون والإذاعة بالسلام الوطني وغالبا بالقرآن الكريم، وأحيانا يصحب ذلك العلم الرسمي و صورة رئيس الدولة. ومن هنا فإن الخواطر تكون مهيأة منذ البداية لتقبل فكرة ارتباط هذين المرفقين برموز الدولة، وبالتالي بمرافق ممارسة السلطة. وقد ظل الأمر هكذا زمنا طويلا حتى في البلاد الديموقراطية بأوربا، باستثناء البيبيسي بإنكلترا، التي اختطت لنفسها منذ الحرب العظمى الثانية  خطة مبتكرة بغرض الفصل بين السلطة السياسية و الإعلام. وإلى حد ما اتخذت تدابير تنظيمية قريبة من ذلك في ألمانيا الفيدرالية حينما فرض عليها الحلفاء المنتصرون دستورا ديموقراطيا وممارسات ليبرالية في الإعلام المكتوب والمسموع ثم المرئي. كما أن دول شمال أوربا اتخذت لنفسها أنماطا قريبة لما هو في البلدان الساكسونية.

  

وفي الستينيات ظهرت مع انتشار التلفزيون فكرة تنظيم ممارسة الإعلام، بكيفية مؤسساتية،  بعد ما ظهر أن رئيسا أميركيا هو كينيدي قد حقق فوزا باهرا على منافسه لأنه عرف كيف يستخدم حضوره أمام الكاميرا. واعتبر الأوربيون الغربيون أن الممارسة السياسية قد دخلت في مرحلة جديدة سموها الطيليكراسي، أي تقريبا الحكم بواسطة التلفزيون. وهنا بدأت بعض الدول الأوربية تبحث عن السبل الكفيلة بتنظيم ممارسة السياسة عبر الإذاعة و التلفزيون، بكيفية عقلانية، لضمان التساوي في الفرص وحياد وسائل الإعلام في التعامل مع الأطراف السياسية بنزاهة ومسؤولية.

  

ولن أتتبع بتفصيل ما حدث، ولكن لابد أن أؤكد أن كل ذلك البحث عن الاستعمال الرشيد والمتكافئ لوسائل الإعلام العمومية، ظل محجوبا عنا في العالم العربي، وبقي الناس يتقبلون أن الإعلام العمومي، هو بطبيعة الأمور إعلام رسمي، أي في خدمة الحكومة القائمة، مهما كان لونها، وهو لون مفروض دائما بقوة الأمر الواقع. وما زالت كثير من الحكومات العربية ترى أن من صميم وظيفتها توزيع الماء والكهرباء وتقديم الخدمات الصحية، وكذلك تقديم المادة الإعلامية التي يستهلكها المواطن. وتتحكم هي في صياغة تلك المادة الإعلامية، سواء في الإخبار أو التثقيف أو الترفيه.

  

وأذكر أنه حينما زرت جمهورية مصر العربية كوزير، كان السيد صفوت الشريف، وقد سمع أن الحكومة التي أنتمي إليها كانت قد أدرجت في برنامجها بندا يتعلق بتحرير الإعلام السمعي البصري، سألني عما إذا كان ذلك يعني تخلي الحكومة عن الإعلام العمومي " على طول يعني ". قلت له " أجل، على طول يعني". أي أن عمل الإذاعة والتلفزيون لن يبقى بعد ذلك على كاهل وزير الاتصال.

      

كنا في المغرب قد انخرطنا منذ بداية التسعينيات في نقاش حول الإعلام عموما بأصنافه كلها المكتوب والسمعي والبصري، وانتهى بنا النقاش إلى رفع مطلب تشكيل مجلس أعلى للإعلام. وتضمنت أول مذكرة للمطالبة بالإصلاح الدستوري والسياسي في أكتوبر 1991، أن يكون المجلس مؤسسة دستورية، ضمن مجالس وطنية للدفاع الوطني والمرأة مثلا، وهي أمور أصبحت مسلما بها في الدستور الحالي.

  

وازداد الأمر وضوحا حينما انعقدت المناظرة الوطنية حول الإعلام في مارس 1993 حينما اتجهت الأفكار نحو إحداث مجلس أعلى يحل محل وزارة الاتصال في تسيير الإعلام العمومي. وكان في ذهننا أن الأمر يتعلق بوكالة الأنباء وبالإذاعة والتلفزيون. واستمرت أفكارنا تتبلور في هذا المجال لمدة زادت على عشر سنوات. وكان هناك أخذ ورد استمر طيلة الفترة الأولى من حكومة التناوب التوافقي. وأنجزت تلك الحكومة مشروع قانون في الموضوع كان جاهزا منذ بداية 2002. ولكنه وضع على الرف، بعض الوقت. ولما كانت الحكومة تتأهب للمغادرة بمقتضى حلول الاستحقاق الانتخابي في سبتمبر من ذلك العام، تم بمبادرة ملكية إلغاء الاحتكار في السمعي البصري، وتأسيس قواعد للممارسة الحرة في السمعي البصري، بحيث أصبحت الإذاعة والتلفزيون اللذان كانا تابعين للحكومة، مجرد فاعلين من بين فاعلين آخرين، يجب أن يلتزما بدفتر تحملات تتم مساءلتهما بشأنه من لدن المجلس الأعلى.

  

لم يكن الطريق سهلا، ولا مفهوم الإعلام العمومي كان واضحا في أذهان جميع الأطراف، مثل ما هو مرسوم بوضوح في أذهان الإعلاميين.  ومنذ المناظرة حتى حكومة التناوب التوافقي، أثيرت في عدة محافل ومناسبات تساؤلات كانت تكشف عن البون الشاسع الذي كان يفصل بين واجهتين لكل منهما فهم خاص لعواقب التسليم بمفهوم تحرير الإعلام، وبالتالي لمفهوم الإعلام العمومي، رغم أن الشعار الذي رافقنا منذ انبثاق العهد الجديد هو ما لخصته مقولة المفهوم الجديد للسلطة.

  

ورغم اضطراب الرؤية أحيانا، تبلورت في العشرية الماضية فكرة لها قدر أكبر من المصداقية عن مفهوم الدولة الحديثة، قمتها الدستور الحالي. وفي سياق ذلك استقر في الأذهان أن الإعلام العمومي يجب أن يكون بعيدا عن سيطرة السلطة السياسية، لأن هذه السلطة، تكون نظريا حتى في ظل دولة ديموقراطية لا غبار عليها، نابعة من خريطة سياسية تضم أغلبية وأقلية، ولهذا يجب ألا يكون الإعلام العمومي في قبضة الحكومة، لأن هذه نابعة من أغلبية، وليس عليها الإجماع. ثم إن هذا المرفق يجب أن يكون في خدمة الرأي العام بكل تفعيلاته وليس في خدمة الحكومة.

  وهذا ما يتضمنه القانون 77.03، الذي صادق عليه البرلمان بمجلسيه في 2004 وبذلك حلت المرحلة  الأخيرة، في مسار تحرير السمعي البصري، وتأسيس المفهوم الجديد للإعلام العمومي، وهو المسلسل الذي بدأ بصدور الظهير رقم 1-02-212 بتاريخ 31 غشت 2002، المتعلق بإحداث الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، وبصدور المرسوم بقانون رقم 2-02-663 بتاريخ 10 سبتمبر 2002، الذي يقضي بوضع حد لاحتكار الدولة في مجال البث الإذاعي والتلفزي.  

وكانت تلك الخطوة محطة أخرى في السير ببلادنا نحو " مجتمع الإعلام والمعرفة "، كما ورد في التصريح العام لحكومة التناوب التوافقي. ويكفي التذكير هنا بجانبين اثنين يكفلهما هذا القانون، وهما التعددية في الأداء وتلافي الاحتكار في الاستثمار. وردت كلمة التعددية ست مرات في ديباجة ذلك النص، وهي (أي الديباجة ) تأتي عادة لتختزل روح القانون المصادق عليه. ووردت نفس كلمة التعددية في عدة مواد من القانون. ففي المادة 3، ورد بعد التصريح بأن "الاتصال السمعي البصري حر"، التعبير بوضوح عن أن هذه الحرية تمارس في ظل "احترام كرامة الإنسان، وحرية الغير وملكيته". ثم نصت نفس المادة المعنية فورا على أن هذه الممارسة تتم في إطار احترام "التنوع والطابع التعددي للتعبير في جميع أشكاله".

  

ومرة أخرى تناول النص مسألة التعددية في المادة 4 حيث قال إن شركات الاتصال – وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالشركات الخاصة، بل بجميع الفاعلين – إن هذه الشركات تقوم بإعداد برامجها بكل حرية ومرة أخرى قال "مع مراعاة الطابع التعددي لتيارات التعبير". ثم أتت المادة 8 لتلزم متعهدي الاتصال السمعي البصري بـ"تقديم أخبار متعددة المصادر". وعادت نفس المادة لتلزم الفاعلين، أيا كانت حيثياتهم، سواء من القطاع العمومي أو الخاص، "بتقديم الأحداث بحياد وموضوعية دون تفضيل أي حزب سياسي أو مجموعة ذات مصالح أو جمعية ولا أي أيديولوجيا أو مذهب". وأضافت: "ويجب أن تعكس البرامج بإنصاف تعدد  وتنوع الآراء". وكل هذه عبارات صبت في قالب الإلزام، الذي لا يمكن للفاعلين التحرر منه.

  

وحينما تعرض القانون في القسم الثالث لمواصفات القطاع العمومي، وهذا مرتبط بموضوعنا مباشرة، ذكر في المادة 48 أنه "يجب على الشركات الوطنية للاتصال السمعي البصري العمومي، احترام دفتر للتحملات تحدد فيه التزاماتها الخاصة." وحينما بدأ النص يسرد تلك الالتزامات، ذكر في البند الرابع ما يلي: "التقيد بتعددية التعبير عن تيارات الفكر والرأي". وذكر في هذا السياق التقيد بـ"الولوج العادل للهيئات السياسية والنقابية" في وسائل الإعلام.

  

كان لابد من التذكير بهذه المقتضيات لكي نمهد للقول إن ما يحدث خلافا لذلك إنما هو محض شطط يقع تحت طائلة الجزاء. إننا نعيش تجربة قوامها الاستمرار في الطريق الذي اخترناه، منذ بداية التسعينيات، لتنظيم حياتنا في أفق الانفتاح وتوطيد ممارسة الحريات. ومعلوم أن هذا المسلسل يتبلور في خضم صعوبات وتناقضات شتى يجب ألا تحبط ديناميكية اجتماعية وثقافية هي بطبيعتها تسير بنا حتما إلي أمام.  وبالتالي يكون مفروضا علينا في كل منعطف أن نتدارك أخطاء السير، لكي نعود إلى التكيف مع طبيعة الاختيار الذي أقدمنا عليه.

  

إن اعتاد المغاربة منذ أكثر من ثلاثين سنة علي صحافة متحررة من الرقابة، بالضبط منذ 9 مارس 1979، فضلا عن أن الصحافة المكتوبة كانت عندنا على الدوام تعددية. وفي غمرة تلك المسيرة تحرر المستمع للإذاعة منذ 1980، بواسطة ميدي آن في طنجة، من الاحتكار المتمثل في وجود نشرة أخبار واحدة تعدها بمنطقها الإذاعة الرسمية. وتحرر مشاهد التلفزيون منذ 1989، وذلك ببروز القناة الثانية، بالدار البيضاء، من الاحتكار الذي كانت تمثله النشرة الخبرية الواحدة، و البرمجة الواحدة، في تلفزيون الرباط. ويمكن القول إن التجربتين كانتا وليدتي صفقة سياسية ثقافية في نطاق رهانات الفرانكوفونية وملابسات العلاقات الخارجية، ولكنهما جلبتا ديناميكية جديدة في المشهد الإعلامي المغربي حيث اكتسب ذلك المشهد بعدا تعدديا وحقق تطورا كانت له انعكاسات حميدة.  وفي الوقت الراهن هناك 15 إذاعة خاصة، وقطب عمومي يضم عشر قنوات تلفزيونية، و10 محطات جهوية. 

  

وفي غمرة كل هذا يجب أن نراهن على أن يكون القطاع العمومي السمعي البصري هو القاطرة التي تجر قطار الإعلام المغربي. أولا لأنه عمومي. وثانيا لأنه الأقدر على ممارسة سياسة القرب. وثالثا لأن الإعلام العمومي هو المؤهل لصرف الجمهور عن العطاء الوافد. أي التلفزيونات والإذاعات الواردة من الخارج سواء كانت عربية أو أجنبية. ولهذا اجتهدنا منذ مدة لتركيز مفهوم الإعلام العمومي، لكي يتم التعرف بوضوح على المهام المنوطة به و على الرهانات والتحديات المطروحة.

  

وفي هذا السياق كنا قد استضفنا مؤتمرا للمجلس العالمي للإذاعة والتلفزيون، في ماي 2000 لدراسة " التحديات التي تواجه الإذاعة والتلفزة العمومية في إفريقيا "، وكان ذلك بشراكة مع اليونسكو وكرسي اليونسكو أوربيكوم في الاتصال. وكان ذلك المؤتمر قد توج بـ" إعلان الرباط " الذي حدد المهام والمعايير (المتسمة بالجودة والديمقراطية) الخاصة بالخدمة العمومية السمعية البصرية، على غرار " إعلان ويندوك " الذي حدد سنة 1990 المبادئ العامة لصحافة حرة تعددية ومتسمة بالجودة. وقد تم اعتماد الوثيقتين من لدن اليونيسكو.

  

ولابد أن أذكر بأن " نداء الرباط " المشار إليه قد ألح على أن يكفل الإعلام العمومي  معايير تضمن الجودة. لأن التعليم العمومي والصحة العمومية يجب ألا يظلا مقترنين بانعدام الجودة. بل إنه من حق المستهلك للإعلام العمومي أن يتوصل بخدمة راقية زيادة على اتسامها بالنزاهة والتكافؤ فيما بين الفاعلين السياسيين. لأن هناك خدمات خاصة في ميدان الثقافة والفن يمكن أن لا تكون لها أسبقية عند الإذاعات والتلفزيونات الخاصة، ولا يبقى إلا الإعلام العمومي لكي يقدم في تلك الميادين خدمات راقية تهدف إلى الرفع من المستوى ورقي الذوق.

  

وغني عن البيان أن محور التفكير في الإعلام العمومي هو ضمان التعددية، ببعديها الثقافي والسياسي، سواء في الأخبار أو البرامج التي تقدمها المؤسسات الإعلامية. وفي المغرب كان هذا الهاجس حاضرا على الدوام. فعلى عكس بلدان عربية أخرى أهملت لغاتها المحلية عمل المغرب على بث برامج بالعربية والأمازيغية كطقس طبيعي. وحينما استرجعنا الاستقلال الوطني كانت مدة البرامج الإذاعية الموجهة باللغات الأمازيغية نصف ساعة في اليوم، لكل واحدة منها. وبمجرد استلام الإذاعة من الإدارة الفرنسية تم رفع الحصة إلى ساعة ونصف في اليوم لكل واحدة من اللغات الثلاث. وأضيف إلى ذلك أنه بدلا من الاقتصار على بث نشرة خبرية فقط، قررت أول حكومة في عهد الاستقلال أن تكون هناك برمجة متنوعة. وبعد ثلاث سنوات رفعت الحصة إلى أربع ساعات في اليوم لكل لغة. 

  

وقد عهد القانون التنظيمي الجاري به العمل بمهمة السهر على تأمين التعددية إلى الهيئة العليا للسمعي البصري. وقد تم  تسليط الضوء في نطاق الحوار الوطني حول الإعلام والمجتمع، الذي استمر طيلة السنة الماضية، على أن التعددية يجب أن تشمل كذلك البعد الاجتماعي لجهة الاهتمام بقضايا الفئات المعرضة للهشاشة والتهميش كذوي الاحتياجات الخاصة والأطفال والنساء. وجاء في مسودة التقرير النهائي للحوار المذكور أن ضمان التعددية السياسية حسب الوزن السياسي لمختلف التشكيلات السياسية الحاضرة في المؤسسات المنتخبة، يعتبر من صميم مهام المرفق العمومي ومن صميم دعم التعددية والديموقراطية، وأن الاعلام العمومي مطالب  بأن يعكس  في أدائه وإنتاجه وبرامجه السياسية، التعددية السياسية مع ضرورة ضمان حقوق الأغلبية والمعارضة في نفس الآن وضمان حق الحضور الأدنى للتشكيلات الصغرى في إطار احترام مقومات المجتمع ووفق خط تحريري واضح.

  

إلا أن هناك معطى يبرز في كل مناسبة وهو أن القطب العمومي ما زال  دون التحولات التي تشهدها البلاد منذ منتصف التسعينات والتي تسارعت وتيرتها في العشرية الأخيرة. قد ورد في الوثيقة المشار إليها أن الإعلام العمومي " يتعين أن يكون، وهو يتناول أوراش  الإصلاح والمبادرات الكبرى، رافعة تعبئة وطنية واعية مدركة لما يتحقق ومقدرة لسياقات الإصلاح ". وفي هذا المجال يجري الكلام بإلحاح حول ضرورة الخروج من السكونية الجامدة وانعدام خط تحريري عقلاني مواكب لروح الإصلاحات التي انخرطت فيها البلاد. وهناك توصيات واضحة ترمي إلى أن يتمكن الإعلام العمومي من كسب رهاني التنافسية والحكامة. 

           ولا يخفى أن الترتيبات التي اتخذناها لتحرير السمعي البصري شابتها عيوب يجب التخلص منها بسرعة قبل أن تتكلس أساليب التدبير. وكنا قد صرحنا في البرنامج الحكومي الذي أدلينا به أمام البرلمان في 14 أبريل 1998 بأننا بصدد تحرير القطاع مع التحكم في مساره. وكانت رؤيتنا تشمل قطاع الاتصالات والإعلام معا. ولعل ما حدث في غفلة منا جميعا هو أننا تركنا الأمور تسير على نحو يجعل منطق التحكم في المسار متفوقا على منطق تحرير القطاع.   

ومن ذلك أننا جعلنا القطاع متحررا من السلطة السياسية لوزير الاتصال وعهدنا بسلطة التدبير بكل مقاليدها إلى ما سميناه بالقطب العمومي الذي لا يساءل أمام أي سلطة منتخبة. بل إن مسيري قطاع الإعلام في القناتين يستمدون نفوذهم من جهة لا تعطي الحساب لأي مؤسسة. وهذا ما انزلق بنا طيلة العشرية الماضية إلى حالة وصفها الكتاب الأبيض عن الحوار الوطني حول الإعلام بأنها جعلت القطب العمومي حبيس الجمود.

     

         إن قيام الإعلام العمومي بدور نشيط  في توطيد الديموقراطيا هو مسألة حيوية في تطورنا السائر بلا رجعة نحو توطيد دولة ديموقراطية عصرية مستوفية لشروط الحكامة. وهذا ما يؤمل في أن يحدث في ثلاث دول عربية على الأقل هي المغرب وتونس ومصر، التي قلت عنها بتفاؤل أمام جمع من الزملاء الإسبانيين منذ أسابيع إنها واعدة بأن تستقبل العام المقبل بدستور متقدم مطابق للمعايير المعمول بها كونيا.

  

ويمكن لنا أن نتطلع إلى أن الإعلام سيكون قاطرة للتغيير المنشود.  وقد كنت مؤخرا بتونس وسمعت شروحا من زملاء في التلفزيون العمومي، بعد أن لمست أنه أصبح يغني الجمهور عن التقاط أخبار تونس في القنوات الأجنبية. وقال لي زميل في أسرة تحرير نشرة الأخبار إنهم بعد 48 ساعة من الارتباك، اجتمعوا وانتخبوا لجنة من سبعة أفراد لتدبير قسم التحرير، وأصبحوا يصوغون نشرة مقبولة لدى الجمهور، لأنها مشبعة وتغني عن استقاء الأخبار من مصادر أخرى.

  

وأنا أتابع أحيانا بعض القنوات المصرية من القطاع الخاص، وألمس أن المادة التي أتلقاها تغني عن التقاط القنوات الوافدة وهذا شيء جيد. فليس هناك شيء مفيد وبناء تلقنه قناة غير محلية تأتي لتكسب جمهورا واسعا فقط بسبب عجز القنوات المحلية عن مواكبة ناجعة لتطور الأوضاع في مجتمع صنع فعلا ثورة حركت السواكن في كل من تونس ومصر.

  إن الأعلام العمومي كما هو الحال بالنسبة لغيره من الأصناف مطالب بأن يراجع دروس الماضي القريب، ويستكنه العبر الكفيلة ببناء تجارب تقطع مع الماضي. و كان الزميل رضا النجار الإعلامي التونسي المعروف، قد كتب  مقالا تطرق فيه إلى حقيقة بديهية مفادها أن كل ما عرفته تونس أثناء فترة بن علي، كان قد مر أمام أعين الإعلاميين الذين ساهموا في أن يؤل الحال إلى ما آل إليه وذلك بالتصفيق وبالسكوت. أراد أن يقول إن الإعلاميين لهم نصيب من المسؤولية. غير أن ملاحظة رضا النجار يجب ان تحملنا على التفكير في أنه في وسعنا أن نعمل على ألا يتكرر ما حدث. وذلك بأن يقوم الإعلاميون بواجبهم بمسؤولية وشرف أي فقط بمهنية في المستوى.

  

  الرباط في 27 يوليو 2011

News-Letter

Dernières publications

 

Qui est en ligne?

Nous avons 88 invités et aucun membre en ligne

compteurs de visites

02955795
Aujourd'hui
Hier
cette semaine
Administratif
ce mois
mois passé
deouis le début
4028
4242
10574
2230062
61476
82623
2955795

Your IP: 5.9.142.56
Server Time: 2018-04-24 18:07:27

en haut

اجتماع المكتب التنفيذي لمركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية
المقر الجديد لمركز الدراسات والابحاث في العلوم الاجتماعية

Deux adresses du CERSS:
1- Faculté de Sciences Juridiques Economiques et Sociales Rabat-Agdal, Boulevard des Nations Unies, CP. 10080, BP. 721, Agdal, Rabat, Maroc
2- 14, Avenue d'Alger, Immeuble B, Appartement n°3, CP.10020, Hassan, Rabat, Maroc
Tél= 00 212 (0) 537 76 06 76  ---- E-mail: cerss1993@gmail.com

Copyright © 2014. All Rights Reserved.