Get Adobe Flash player

Editorial

 De l’Etat unique et dual à l’Etat pluriel

 Par: Pr Abdallah SAAF

Texte de la communication présentée dans le colloque sur le dualisme du système politique marocain organisé à la Faculté de droit de Rabat le 28 juillet 2016.

L’examen de la structure étatique appelle deux remarques préliminaires :

-la première part du fait que les travaux de la science politique ayant pour objet le Maroc, aborde généralement la politique marocaine en termes de style de gouvernement, de manière de faire,  ou de régime, ou de système, ou tout cela à la fois, comme la somme de l’ensemble de ces composantes... Lire la suite

Notre page sur facebook

Spécial membres

د. محمد الحاجي الدريسي 

باحث بمركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية بالرباط 

 

عرف النصف الأخير من القرن العشرين حركات هجراتية متنوعة سادت مختلف مناطق وقارات المعمور. وشملت هذه الهجرة مختلف الفئات الاجتماعية والكيانات البشرية وذلك تبعا لتعدد وتناسل عوامل الطرد والاستقطاب. فحاجة القارة العجوز للعمالة غير المؤهلة لإعادة الإعمار بعد نهاية الحرب لم يثنيها عن الاعتماد المستمر عن استقطاب العمالة المؤهلة تأهيلا عاليا، ونفس الأمر بالنسبة لباقي البلدان الغربية الأخرى التي تبتكر سياسات استقطابية معقدة لجلب هذه الفئة كما تعمل على صناعة عوامل الطرد بدول الجنوب عبر إملاءاتها المتنوعة... 

 

بشكل عام، تهاجر الكفاءات من إفريقيا وآسيا؛ وتنطلق من دول تتميز بوجود شروط قاسية على المستويين المهني والمعيشي، فهي أبعد من أن تكون مريحة كما هو الحال في بلاد الاستقبال المصنعة والمتمركزة على الخصوص في أوروبا وأمريكا الشمالية، البلاد التي تشكل الوجهات الأكثر استقطابا للنخب المهاجرة. 

تتأرجح هذه الفئة -أو النخبة-بين التكوين العالي والتكوين المتوسط. فالأشخاص المعنيون هنا هم المتخصصون والمدرسون والأطباء، بما في ذلك طلبة السلك الثالث. إذن يمكن الحديث هنا عن الكفاءات التي تتطلب هذه المواصفات المقررة في نشرة صدرت عن اليونسكو سنة 2004 بعنوان ''هروب الكفاءات من إفريقيا الفرنكفونية''. 

تُحدد هذه النشرة الكفاءة بكونها الأهلية التي يتوفر عليها شخص معين في مجال ما أو في ميدان ما؛ إذن يمكن الحديث عن نزيف الكفاءات عندما نجد بلدا من البلدان يفقد عمالته المؤهلة بسبب الهجرة. يتعلق هذا النزيف بعناصر مختلفة في مجتمعاتنا، إلا أنه لا يأخذ بعين الاعتبار سوى أولئك الذين تلقوا تكوينا بالتعليم الجامعي، أو أي تعليم مواز له.i بالإضافة إلى ذلك، حدد تقرير صادر عن اليونسكو سنة 1968، تحت عنوان ''مشكلة هجرة الباحثين العلميين والتقنيين (نزوح الكفاءات أو نزيف الأدمغة)''، "نزيف الأدمغة" و"نزوح الكفاءات" في الهجرة الأحادية الجانب للأطر العلميةمن جهة والتقنيين من جهة ثانية، والتي تؤدي إلى الحصول على فوائد جمة بالنسبة لدول الاستقبال، وخسائر مهولة فيما يتعلق ببلدان الانطلاق.ii الجدير بالذكر أن هذا التقرير ركز على دول قلائل تعاني من هذه الظاهرة، من بينها ثلاثة دول إفريقية صُدِّرت بالمغرب.iii 

أدى تفاقم ظاهرة هجرة الكفاءات إلى ظهور عبارة "استنزاف الأدمغة" سنة 1963 ببريطانيا من جراء هجرة الباحثين العلميين من هذا البلد اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية ذات السوق التي توفر شروطا مثالية للعمل وأجورا جد مرتفعة أكثر من بريطانيا مما يوحي بخسارة الرأسمال البشري المكون.iv بعد ذلك، تضخم عدد النازحين من دول الشمال والجنوب معا. حينها بدأت الدول السائرة في طريق النمو (إفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية) تفقد نخبتها المكونة والمثقفة لفائدة الدول المصنعة (أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية). هنا بدأ الحديث عن نزوح الأدمغة بأشكال أكثر حدة. يتم هذا في وقت أصبحت مختلف مناطق العالم ميسرة الوصول نتيجة تطور تقنيات الاتصال ووسائل النقل. رغم أن هذا النوع من الهجرة يتموقع دائما بين الحدة والفتور، إلا أنها عرفت انتشارا واسعا منذ سنوات الستينات. 

أولا: هجرة الكفاءات الإفريقية: تطور الظاهرة  

أتى العدد الأكبر من العمالة الإفريقية المؤهلة بأوروبا من شمال إفريقيا. وقد تشكلت أنماط نزيف العقول في شمال إفريقيا إلى حد كبير بفعل القرب الجغرافي والروابط التاريخية مع أوروبا. فالتدفق السائد للعقول يأتي من البلدان الثلاث الناطقة بالفرنسية، وهي الجزائر والمغرب وتونس، إلى فرنسا أو بلجيكا، ولكن أيضا تتدفق بشكل متزايد إلى إيطاليا. وتتجه بعض حركات الهجرة إلى أمريكا الشمالية.v وقد بدأت هذه الهجرات منذ سنوات الستينات.  

فخلال هذه العقد -الستينات-تراوح معدل الباحثين بإفريقيا مابين 70 و100 باحث لكل مليون نسمة بينما كانت الولايات المتحدة تعرف وجود 2370 باحث لكل مليون نسمة، أما فرنسا المستقطب الرئيسي للكفاءات الإفريقية فكانت تعرف وجود 631 باحث لكل مليون نسمة.vi وهذا ما يوحي بهول الاستنزاف البشري الذي كان يمارسه العالم المتقدم على إفريقيا ولاسيما على شمالها مما جعلها تعيش خصاصا مهولا على مستوى الكوادر البحثية. 

ولم تقتصر هذه الهجرة على قارة دون أخرى بل شملت جميع القارات لكن بنسب متفاوتة، ونجد أن إفريقيا هي صاحبة أعلى نسبة لهجرة الكفاءات من بين القارات حيث تراوح معدل الهجرة بها ما بين 9.51 % سنة 1985 و8.82 % سنة 1990 (أنظر الشكل).  

  

المصدر:د. محمد الحاجي الدريسي: هجرة الكفاءات المغربية إلى الخارج، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الدولي والعلاقات الدولية، تحت إشراف الأستاذ الدكتور عسو منصور، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية الاقتصادية والاجتماعية، فاس، 22أكتوبر2011، ص.55 

عرف الإقليم الإفريقي ارتفاعا في هجرة الكفاءات. فحجم سفر رأس المال البشري مذهل وفقا للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا والمنظمة الدولية للهجرة حيث قدر عدد الأفارقة أصحاب المهارات العالية الذين تركوا القارة متوجهين إلى البلدان الصناعية بين العامين 1975 و1984 بـ40000 شخص.vii وقد يكون الرقم أكثر من ذلك، حيث قُدرت الهجرة السنوية للأفارقة ذوي التخصصات الدقيقة بمعدل 4400 فرد سنويا خلال نفس الفترة.viii يتسم هذا الرقم بأهمية خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار غياب أي تنمية حقيقية تهتم بالتعليم ومخرجاته. فأغلب الدول الإفريقية كانت حديثة الاستقلال، وليس لديها الإمكانات الكافية لتخريج ما يسد حاجاتها من الكفاءات، وبالتالي فهروب هذا الكم من أراضيها يعبر عن مدى الاستنزاف الممنهج الذي لازال يمارسه الاستعمار في حقها. فإفريقيا تعاني، بشكل واضح، من هروب الأدمغة، حيث كان يغادرها سنويا ما معدله 23000 شخص عالي المهارة ما بين 1984 و1987،ix وفقدت هذه القارة كذلك 60000 من أصحاب المهن عالية الكفاءة (أطباء، مدرسون، جامعيون، مهندسون، الخ.) ما بين 1985 و1990.x كما أن 35 اختصاصيا من كل 100 اختصاصي إفريقي أرسلوا لتلقي التدريب في الخارج بين العامين 1982 و1997 لم يعودوا إلى ديارهم.xi زيادة على ذلك وابتداء من سنة 1990 هاجر أكثر من 20 ألف عقل إفريقي سنويا نحو البلاد المصنعة.xii 

وفي سنة 2000، كان يوجد 13.1 % من مهاجري إفريقيا جنوب الصحراء بدول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. وتبلغ حصة العمال المؤهلين من بين هؤلاء المهاجرين بدول هذه المنظمة 42.5%.xiii وفي نفس السنة، كان 750000 ممرض وممرضة يمارسون عملهم بالقارة الإفريقية، اختار 70000 منهم العمل خارج القارة وهو ما يمثل 8%.xiv خلافا لذلك، عرف المغرب هجرة حوالي 5176 ممرض وممرضة، وهذا ما يمثل 15 %xvمن بين 34506 فرد مزدادة بأرض الوطن ضمن هذه الفئة.xvi 

وقد أشار تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية لسنة 2001 إلى أن أكثر من 21 ألف طبيب نيجيري يعملون بالولايات المتحدة الأمريكية،xvii واختار 20 % من الأطباء الأفارقة الاستقرار بالبلاد الغنية، ووصل هذا الرقم إلى 28% بالنسبة لأطباء إفريقيا جنوب الصحراء.xviii 

يمكن القول إن مسار الهجرة يتمثل في الانطلاق من الدول النامية إلى الدول المصنعة، لذلك تعتبر إفريقيا بلد انطلاق بامتياز. يتميز رصيدها من المهاجرين بالضخامة حيث يعيش 1.6 مليون، في فرنسا فقط، من داخل 4.3 مليون إفريقي يستقرون بدول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. وتمثل الولايات المتحدة الأمريكية الاتجاه الثاني الأكثر استقطابا حيث يعيش أكثر من ثمانمائة ألف مواطن إفريقي. ينطلق العدد الأكبر من المهاجرين من شمال إفريقيا، خصوصا من المغرب ثم الجزائر.xix وبما أن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تستند إلى التمييز لصالح المهاجرين ذوي الخبرة والمعرفة فإن ذلك يؤدي إلى استنزاف الأدمغة من الدول النامية مما يجعل الدول الإفريقية خاصة تعاني من النقص المستمر فيما يتعلق بالعمال العاليي المهارة.xx 

بالإضافة إلى ذلك، ينتمي إلى البلاد الإفريقية ما بين 10 % و12 % من المهاجرين القادمين إلى كندا خلال الفترة 2005-2007، خلافا لنهاية الثمانينات حيث كانت النسبة تتراوح ما بين 4 % و5 %. والجدير بالذكر أنه في السنوات القليلة الماضية، شكل المغرب والجزائر البلدان الإفريقيان الرئيسيان للمهاجرين الأكثر قبولا في كندا.xxi 

ويتضح من خلال المعطيات المتوفرة أن الجالية الإفريقية بالولايات المتحدة الأمريكية كانت في تنامي مستمر، خلال العشرين سنة الماضية، لاسيما حينما يتعلق الأمر بالباحثين والعلماء، الأنگلوساكسونيين أو الفرنكوفونيين.xxii وتضم هذه المجموعة المهاجرة الجديدة أغلبية أنگلوساكسونية بسبب الثقل الديمغرافي لبلادهم الأصلية (غانا وكينيا ونيجيريا على الخصوص). رغم ذلك، فللأفارقة، المنتمين لدول لغتها الرسمية هي الفرنسية (نظرا للمقتضيات الدستورية الخاصة)، مكانة مغايرة. فبالإضافة إلى الصعوبات المتعلقة بالبعد الجغرافي عن البلد الأصلي، يعاني هؤلاء من النفي اللغوي.xxiii لكن، وكما هو معلوم، تم من جهة، الاستغناء عن الانتماء اللغوي بسبب سياسات الهجرة الضيقة والانطواء الأوروبي والحملات الانتخابية المرتكزة على كره الأجانب. ومن جهة أخرى، فإن انتشار التمييز بمختلف أشكاله سحب الطبيعة العملية لمفهوم الفرنسة. لذلك، فالهجرات الجديدة لا تجد حيويتها في الجاذبية المثارة من طرف فرنسا.xxiv 

ثانيا: هجرة الكفاءات الإفريقية: الآثار والأبعاد 

تشير إحصائيات الأمم المتحدة إلى أن إفريقيا قد خسرت 40 مليار دولار بين سنة 1992 وسنة 1996 نتيجة لهجرة الأدمغة.xxv 

إن هجرة الكفاءات الإفريقية إلى الخارج تمثل الاستنزاف الممنهج لزبدة الموارد البشرية من طرف المستعمرين القدامى، والذي يعتبر استمرارا للاستنزاف الاستعماري المباشر الذي بدأ بالموارد المالية والمواد الأولية، مرورا باليد العاملة وانتهاء بالأدمغة والكفاءات.  

من المعلوم أن هجرة الكفاءات الإفريقية إلى الخارج ساهمت في خلخلة الواقع الاقتصادي والسياسي للقارة السمراء، فغياب الكفاءات عن الساحة سياسيا واقتصاديا وعلميا من جهة واستعداؤها من جهة أخرى أدى إلى فقدان القارة للعديد من الأوراق على صعيد سياساتها الداخلية والخارجية. فداخليا، انفصلت هموم الشعب عن هموم الدول التي تتحكم النخبة في تحريك دواليبها، والتي لم تعد منطقة يتوجه إليها الطرف الأول لحل مشاكله، بل أصبحت عدوا، يجب إما اتقاء شره أو الهروب منه. وبذلك أصبحت إفريقيا، نتيجة التجاذبات الداخلية، منطقة هشة وحرجة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، ومجبرة على تطبيق إملاءات الأقوياء والتي من أبرزها وأشنعها سياسات التقويم الهيكلي حيث أفرغت القارة السمراء من كوادرها، فأصبحت إحدى أهم تداعيات هجرة الكفاءات هي هجرة الكفاءات. فالظاهرة تعيد إنتاج نفسها بنفسها لكن بمضامين مختلفة. 

إذا كانت إفريقيا تستفيد شيئا ما من هجرة الكفاءات عبر التحويلات المالية للمهاجرين والتي تساهم فيها النخبة المهاجرة بقدر يسير، فإن الخسائر تتسم بضخامتها على جميع المستويات وتبقى مستمرة على المديين المتوسط والبعيد، لاسيما فيما يتعلق بنقل قيم وثقافة بلاد الاستقبال إلى الداخل الإفريقي من جهة، واستمرار التبعية الإفريقية للأقطار الغربية من جهة أخرى. 

خلافا لذلك، تستفيد بلاد الاستقبال من تواجد الكفاءات الإفريقية على أراضيها. فقد ساهمت بشكل أو بآخر في تقويتها تكنولوجيا ونموها ديمغرافيا وبالتالي ازدهارها اقتصاديا وعسكريا، مما أهلها لمواجهة الدب الأحمر. 

لم يحصل هذا الأخير على نفس الفرص التي وفرتها الكفاءات المهاجرة بأبخس الأثمان للغرب الذي تمكن من قلب الموازين الدولية لصالحه، فانهار الاتحاد السوفياتي، واندثرت معه الثنائية القطبية . 

خلال هذه الفترة كانت أبعاد القوة تتعرض شيئا فشيئا للتغيير الجذري ليس فقط من حيث طبيعتها ولكن أيضا من حيث الأسس التي ترتكز عليها وذلك بمساهمة فعالة من طرف الكفاءات المهاجرة. فالأبعاد التي كانت تتأسس عليها علاقات القوة في ظل الحرب الباردة بدأت في الاندثار تدريجيا، وذلك لصالح البعد التكنولوجي والمعرفي، والذي بني في جزء مهم منه من طرف العقول الأجنبية المستقرة في ديار الغربة؛ وكذا البعد الاقتصادي الذي لم يعد اقتصادا ماديا محضا كما كان من قبل بل أصبح اقتصاد معرفة بالأساس، مؤسس على البعد الأول –التكنولوجي والمعرفي- مما دفع إلى تغيير متطلبات سوق الشغل التي صارت تنادي بولوج الكفاءات بدل أصحاب العضلات. 

لم يقتصر تأثير الهجرة على الواقع الاقتصادي بل امتد إلى المجال الأسري الذي بدأ يعرف تغيرات بنيوية بسبب استهداف الهجرة للعنصر النسوي. فمن أهم التغيرات الحديثة التي شهدتها الهجرة الإفريقية هو التأنيث المتنامي، وهذا ما يشير إلى أن القواعد التقليدية الاجتماعية تغيرت بشكل ملحوظ.xxvi تشكل النساء حاليا نصف مهاجري إفريقيا. فحاملات الدكتوراه أو نساء الأعمال يهاجرن ليس داخل الحدود فقط ولكن أيضا خارجها وذلك بشكل متزايد.xxvii تقوم الهجرة بلعب دور ليس من السهل تجاهله، ويتمثل في نقل القيم الخارجية إلى الداخل كتحرير المرأة وإدماجها في سوق الشغل مما سيعرض الأسر الإفريقية للتفتت والانهيار كما هو حال الأسر الغربية التي تعرضت للارتجاج فأصبحت تُخرج الفردانيين الذين لا هَمَّ لهم إلا أنفسهم حيث قُتل الهم الجمعي لديهم منذ الخطوات الفعلية الأولى للتربية، وهذا ما يدفع أهم قادتهم السياسيين اليوم لعدم التوقيع على البروتوكولات والاتفاقيات المتعلقة بمصير المجتمع الدولي كبروتوكول كيوتو. 

ثالثا:أسباب هجرة الكفاءات: ترابط عوامل الطرد والاستقطاب 

في الواقع، إن الأشخاص يهاجرون إلى المناطق التي يتصورون على أنها أفضل بالنسبة لهم. فأغلب المهاجرين، وبالأخص الكفاءات منهم، كانوا يعيشون بيئة طاردة في أوطانهم الأصلية لذلك لجأوا إلى مغادرتها سعيا في إيجاد واقع أفضل. 

مثلت البيئة التربوية التعليمية والبحثية أولى البيئات الطاردة بامتياز والتي تزامنت مع نظيرة لها لكنها مستقطبة، حيث تشكل القناتان التعليمية والبحثية الممر الرئيسي الأول والرابط بين البيئتين. ففي البيئة الأولى تنهار دوافع الارتباط بمسقط الرأس أمام قوة جاذبيات البيئة المستقطبة. 

كذلك يساهم الواقع السياسي والاجتماعي في تكريس هجرة الكفاءات إلى الخارج. فالنسق السوسيوسياسي يعتبر نسقا طاردا للأدمغة بامتياز، وذلك برغبة من الأنظمة الحاكمة من جهة، وبغياب التناغم بين هذه الفئة المهاجرة والشعب من جهة ثانية. فهذا الأخير معرض للتفقير والتهميش والتجهيل باستمرار مما يجعله غير متناغم مع الكفاءات التي تضطر إلى الهجرة تحت وطأة مطاردة النخب المالية والسياسية بالاضطهاد أحيانا، وبتفعيل مجموعة من العوامل الطاردة الكامنة أحيانا أخرى. 

في نفس الوقت، أدت مجموعة من العوامل إلى تغيير المحددات الاستقطابية، ومن أهمها صعود اقتصاد المعرفة الذي يعتمد على التناغم بين التقدم العلمي والتقني من جهة والتطور الاقتصادي من جهة ثانية والتنظيم المحكم لسوق الشغل من جهة ثالثة، مما وفر للكفاءات مجالا للإبداع والاندماج المتكامل في بلاد الاستقبال. 

فارتفاع المرتبات ومستويات العيش، ووجود فرص أكبر للعمالة، وآفاق للمستقبل أكثر إشراقا، وارتفاع درجة التطور الاجتماعي، الخ، تعمل على جذب الكفاءات إلى البلاد المتقدمة. 

بالإضافة إلى ذلك فتلبية الحاجيات الديمغرافية وصعوبات جلب عدة أصناف من العمالة المؤهلة تجعل الدول المتقدمة تنوع من سياساتها الاستقطابية المرتكزة على الهجرة الانتقائية. 

إن التفاوت بين الأجور والاختلاف في شروط العمل يؤديان إلى نزيف الأدمغة من البلاد الإفريقية نحو البلدان المتقدمة. فقد مرت أغلب الاقتصاديات الإفريقية بتجميد الأجور وتدني قيمة العملة وتفشي التضخم المالي.لذلك دفعت هذه الظروف الأشخاص الماهرين إلى البحث عن دول آمنة من حيث توفر الأجور الثابتة والكفاءة والخبرة المهنية ومن حيث استقرار قيمة العملة.xxviii 

إن العوامل البيئية تبرز مدى القوة التي تتحرك بها والتي تميز بعضها عن بعض. كما أنها –العوامل-تتغير في جوهرها، وليس في صفتها، من منطقة إلى أخرى. فعلى المستوى العاملاتي نجد أن الاقتصاد التقليدي والمحدد التكنولوجي كانا عاملين منفصلين في البداية، ونتج عنهما فيما بعد اقتصاد المعرفة الذي أصبح من المخرجات أو العوامل الجديدة لهجرة الكفاءات. هذا ما يجعلنا نتجه نحو بناء صورة للحلقة المفرغة التي عاشتها المنطقة الإفريقية على مستوى هجرة الكفاءات، على مستوى النتائج والدوافع، وذلك منذ البدايات الأولى للحرب الباردة حتى اليوم. 

بالموازاة مع ذلك، تميزت الصورة المجتمعية الإفريقية بالرغبة في لفظ كفاءاتها خلال فترة الاستقلال،xxix فقد قدر عدد الأفارقة أصحاب المهارات الذين تركوا القارة متوجهين إلى البلدان الصناعية بين العامين 1960 و1975 بـ27000 شخص.xxx كما بلغ معدل هجرة الأفارقة من ذوي التخصصات الدقيقة 1800 فردا سنويا خلال نفس الفترة.xxxi  

رابعا: مستقبل هجرة الكفاءات الإفريقية وآفاقها 

إن من أهم الأسباب التي أدت بشكل أو بآخر إلى هجرة الكفاءات الإفريقية إلى الخارج التغيرات الجوهرية التي شهدها النظام الاقتصادي العالمي الذي لم تعد تلعب فيه وسائل الإنتاج المادية من مواد أولية وعضلات ذلك الدور الذي كانت تلعبه في فترة الحرب الباردة من حيث كونها عاملا أساسيا في الصراعات والحروب الإقليمية والمواجهات السياسية الاقتصادية كما هو الشأن بالنسبة لأزمة 1973. فالتفاعلات العالمية اليوم أصبحت ترتكز على آليات صراعية منطلقها الأساس المعرفة التي يصنعها الإنسان وسبب قوتها أدمغة البشر، فلم يعد للعتاد المادي، سواء كان اقتصاديا أو عسكريا أو طبيعيا تلك الأهمية التي كان يمتلكها بالأمس القريب. لقد أدرك الغرب هذا الواقع منذ بداية الثمانينات فقام بوضع جل إمكانياته الإستراتيجية في خدمة هذا الاتجاه الذي تكرس ظهوره في الدول الرأسمالية الكبرى بسبب حشد جل أدمغة العالم في المراكز الغربية ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية. 

بالإضافة إلى ذلك فسياسات الهجرة الانتقائية التي نهجتها الدول الغربية في بداية القرن الواحد والعشرين، والتي كانت تستنزف آلاف الكوادر أفرغت العالم النامي من أهم مصادر قوته التي بدونها لن يتمكن من بناء أي معارضة فعالة ومبنية على أسس متينة للأحادية الغربية، حيث امتطت حصان الحرب ضد الإرهاب ونهجت السياسة التي تروقها. ونفس العملية تمت في الثمانينات في دول العالم النامي الذي كان يعرف مدا شيوعيا سواء على مستوى التعاطف أو على المستوى الفعلي، ولذلك فسياسات التهجير غير المباشر للأدمغة تعتبر سياسة استباقية بامتياز.xxxii  

والجدير بالذكر أن الاستنزاف الذي تم في بداية هذا القرن يعطى فرصة استمرار السيطرة للقوى الرأسمالية لمدة أطول، لاسيما وأن ذلك تزامن مع الأزمة الاقتصادية العالمية التي لم تؤدي لحد الآن إلى عودة الكوادر المهاجرة، وهذا ما يدل على أن السياسة الغربية متناسقة في هذا الاتجاه، لكون المسؤولين ببلاد الاستقبال يدركون أن أي نزوح عكسي للكفاءات يعني نقل مصادر القوة وزمام السيطرة من الشمال إلى الجنوب. ما يؤيد ذلك هو أن وضع المهاجرين يتسم بكونه أكثر استقرارا في ظل الأزمة الحالية، بكندا، حيث يستمر المهاجرون في التوافد إليها، وتتسم هجرتها بكونها الأكثر انتقائية. وذلك عكس وضع المهاجرين بإسبانيا الذين يتميزون بكون أغلبهم عمالة غير مؤهلة، والذين يعانون ظروفا جد قاسية، كما أن إسبانيا ترغب في عودتهم إلى بلدانهم الأصلية، وذلك عكس ما ترغب فيه كندا. لكن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تحمل سمات مشابهة للتوجه الإسباني نحو العمالة القادمة من أمريكا اللاتنينية، بينما لها توجه مماثل للتوجه الكندي بخصوص باقي المهاجرين من الدول الأخرى، لكون الجزء الأهم منهم عبارة عن كفاءات.  

إن الدول الغربية التي عرفت كيف تفرغ العديد من الدول الإفريقية من كفاءاتها عبر سياسات التقويم الهيكلي هي نفسها اليوم التي استغلت الحرب على الإرهاب وبعض الأحداث المسببة لها لغربلة المهاجرين واستنزاف الصفوة التي لو بقيت ببلدانها الأصلية خلال هذه الأزمة لساهمت في تغيير علاقات القوة الإقليمية والدولية بشكل أو بآخر على المديين القريب والمتوسط. 

كل ذلك يوضح بجلاء مدى رغبة الغرب في استمرار هجرة النخب المهنية الإفريقية إليه. فقد قررت الدولة الألمانية فتح حدودها لما بين 34 و40 ألف مغربي سنويا من حملة الشواهد العليا ابتداء من يناير 2013 xxxiii. وهذا دليل على أن الغرب في حاجة دائمة للهجرة الإفريقية. 

 

 

News-Letter

Dernières publications

Rapport stratégique 2010-2013

 

 

 

Qui est en ligne?

Nous avons 28 invités et aucun membre en ligne

compteurs de visites

02623071
Aujourd'hui
Hier
cette semaine
Administratif
ce mois
mois passé
deouis le début
174
1510
4650
1908465
29444
63086
2623071

Your IP: 54.166.188.64
Server Time: 2017-11-22 03:41:37

en haut

اجتماع المكتب التنفيذي لمركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية
المقر الجديد لمركز الدراسات والابحاث في العلوم الاجتماعية

Deux adresses du CERSS:
1- Faculté de Sciences Juridiques Economiques et Sociales Rabat-Agdal, Boulevard des Nations Unies, CP. 10080, BP. 721, Agdal, Rabat, Maroc
2- 14, Avenue d'Alger, Immeuble B, Appartement n°3, CP.10020, Hassan, Rabat, Maroc
Tél= 00 212 (0) 537 76 06 76  ---- E-mail: cerss1993@gmail.com

Copyright © 2014. All Rights Reserved.